في السنوات الأخيرة، أخذ المستثمرون الأتراك يفضلون الجبل الأسود على نحو متزايد بوصفه بلداً آمناً ومرشحاً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وصديقاً للاستثمار في البلقان. وتجعل أسعار العقارات الجاذبة وسهولة تأسيس الشركات والمزايا الضريبية الجبل الأسود جذاباً؛ غير أنه اعتباراً من عام 2025 برزت تغييرات جوهرية في سياسات التأشيرات والجنسية. وتشرح هذه المقالة بصورة شاملة الإطار القانوني الحالي والتوصيات الاستراتيجية للمواطنين الأتراك بشأن الاستثمار والإقامة والجنسية في الجبل الأسود.
1. وضع الأتراك في الجبل الأسود
اعتباراً من عام 2023، وفي سكان الجبل الأسود البالغ عددهم 623,633 نسمة، يشكل الأتراك قرابة 0.29% من إجمالي السكان. ومع أن الأتراك أقلية صغيرة من الناحية الديموغرافية، فإن الصورة تصبح أكثر بروزاً من حيث الأعمال والاستثمار. ووفقاً لمصادر متعددة، يوجد نحو 10,000 شركة برأس مال تركي في الجبل الأسود، وهو ما يمثل تقريباً 20–33% من مجموع المنشآت المملوكة لأجانب في البلاد.
وتُظهر هذه الصورة أن المستثمرين الأتراك أصبحوا فاعلين مهمين في اقتصاد الجبل الأسود. ويتركز رأس المال التركي بوجه خاص في قطاعات البناء والسياحة وتطوير العقارات وإدارة المطاعم واللوجستيات والتجزئة. وتستثمر الشركات التركية في مشاريع فندقية في الوجهات السياحية مثل Budva وKotor، في حين تركز على مشاريع مكتبية وسكنية وتجارية في Podgorica. وتجلب هذه الاستثمارات تدفقاً رأسمالياً بملايين اليورو إلى اقتصاد الجبل الأسود وتخلق فرص عمل.
وعلى المستوى الدبلوماسي، أصبحت تركيا أيضاً أحد أهم الشركاء التجاريين للجبل الأسود. وقد ازداد حجم التجارة بين البلدين باطراد في السنوات الأخيرة، وأصبحت تركيا الآن ضمن أكبر عشرة شركاء تجاريين للجبل الأسود. وقد عززت المشاريع المالية المدعومة من Turkish Eximbank، وشبكات رحلات Turkish Airlines إلى Podgorica وTivat، ومشاريع البنية التحتية التي تنفذها TİKA التعاون الاقتصادي والمؤسسي بين البلدين.
ومن منظور اجتماعي ثقافي، أصبحت الجالية التركية ظاهرة أيضاً في الحياة الحضرية للجبل الأسود. وقد انتشرت المطاعم التركية والمؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية واللافتات باللغة التركية، ولا سيما في Budva وPodgorica وBar. وقد عمّقت فعاليات رمضان وعروض الأفلام التركية والمشاريع الثقافية المشتركة التفاعل الاجتماعي والثقافي بين شعبي البلدين. كما عزز ذلك نزعة الاستقرار طويل الأمد للمستثمرين الأتراك وأسرهم المقيمين في الجبل الأسود.
2. نظام التأشيرات الجديد: اشتراط التأشيرة للمواطنين الأتراك
في مساء 25 أكتوبر، أسفر حادث طعن في Podgorica عاصمة الجبل الأسود شارك فيه مواطنون أتراك عن إصابة شخص واحد. وعقب هذا الحدث، أُبلغ في وسائل الإعلام المحلية عن احتجاجات وأعمال عنف استهدفت مواطنين أتراك ومنشآتهم. واحتجزت الشرطة مشتبهين اثنين (مواطناً تركياً ومواطناً أذربيجانياً) ضالعين في الحادث، فضلاً عن 45 من المواطنين الأتراك والأذربيجانيين يُشتبه في عدم حيازتهم تصاريح إقامة سارية.
وأعلن رئيس الوزراء Milojko Spajić أن نظام الإعفاء من التأشيرة للمواطنين الأتراك سيُعلَّق مؤقتاً. ووفقاً لسفارة تركيا في Podgorica، دخل القرار حيز النفاذ في 30 أكتوبر 2025. ولم يعد بإمكان حاملي جوازات السفر العادية (الحمراء) السفر من دون تأشيرة. غير أن المواطنين الأتراك الحائزين تأشيرات أو تصاريح إقامة سارية متعددة الدخول صادرة عن Schengen أو US أو UK أو Canada أو Australia أو Japan أو Ireland لا يزال بإمكانهم الإقامة في الجبل الأسود لمدة تصل إلى 30 يوماً دون تأشيرة جبل أسود.
وقد أُدخلت هذه السياسة في إطار عملية انضمام الجبل الأسود إلى الاتحاد الأوروبي، بما يوائم نظام التأشيرات مع معايير الاتحاد الأوروبي.
3. برنامج الجنسية مقابل الاستثمار (CIP) مغلق الآن
في إطار برنامج الجنسية مقابل الاستثمار (CIP) الذي أُطلق عام 2019، منح الجبل الأسود الجنسية للأجانب الذين نفذوا استثمارات عقارية بمبلغ محدد. غير أن البرنامج انتهى رسمياً في 31 ديسمبر 2022. وقد عولجت الطلبات المقدمة قبل هذا التاريخ طوال عام 2023، واعتباراً من عام 2025 لا تُقبل طلبات جديدة.
وكان قرار إنهاء البرنامج متأثراً إلى حد كبير بضغط الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن شواغل الأمن والشفافية. وقد رأى الاتحاد الأوروبي أن برامج «الجواز الذهبي» هذه قد تكون محفوفة بالمخاطر، إذ يمكن استغلالها لأغراض مثل التهرب من العقوبات أو غسل الأموال. وفي سياق عملية انضمامه إلى الاتحاد الأوروبي، قرر الجبل الأسود عدم تمديد البرنامج وأخضع الأشخاص الذين حصلوا على الجنسية بالفعل للمراجعة.
وخلال فترة سريان CIP قُدِّم قرابة 1,100 طلب، ووافق على نحو 400–500 منها وأفضت إلى منح الجنسية. ورغم أن إمكانية الحصول على الجنسية عبر الاستثمار المباشر لم تعد قائمة، لا يزال الجبل الأسود يقدم للمستثمرين الأجانب تصاريح إقامة وخيارات إقامة طويلة الأمد.
4. تصريح الإقامة للمستثمرين لا يزال ممكناً
ورغم انتهاء برنامج الجنسية مقابل الاستثمار، لا يزال بإمكان المستثمرين الحصول على تصاريح إقامة في الجبل الأسود للعيش ومزاولة الأعمال.
وبموجب قانون الأجانب (Zakon o strancima)، يجوز للأجانب الحصول على تصريح إقامة مؤقتة إذا أسسوا شركة أو اشتروا عقاراً أو استوفوا متطلبات الدخل والتأمين الصحي. وتنظم المادة 36 والأحكام ذات الصلة من قانون الأجانب شروط الإقامة المؤقتة، وتنص على أنه يجوز منح الأجنبي تصريح إقامة إذا أثبت غرضاً مشروعاً للإقامة — مثل النشاط التجاري أو ملكية العقار أو كفاية وسائل العيش والتغطية بالتأمين الصحي.
وعادة ما يُصدر تصريح الإقامة المؤقتة لمدة تصل إلى سنة واحدة ويمكن تجديده سنوياً ما دامت الشروط الأولية قائمة. ويجب على مقدمي الطلبات تقديم مستندات تشمل جواز سفر ساري المفعول وإثبات السكن (عقد إيجار أو سند ملكية) وإثبات كفاية الوسائل المالية والتأمين الصحي وشهادة خلو من السوابق الجنائية.
ويمكن للمستثمرين الأجانب الحصول على الإقامة عبر عدة مسارات:
- تأسيس شركة: بتسجيل شركة في الجبل الأسود والتوظف فيها أو التعيين مديراً تنفيذياً داخل ذلك الكيان.
- ملكية العقار: بشراء عقار مطور (صالح للسكن) في الجبل الأسود — ولا تؤهل الأرض أو العقار غير المبني عموماً.
- الاستقرار المالي: بإثبات مصادر دخل كافية ومشروعة لتغطية نفقات المعيشة خلال الإقامة.
وبعد خمس سنوات من الإقامة المؤقتة المتواصلة، يجوز للأجنبي التقدم بطلب تصريح إقامة دائمة، على النحو المنصوص عليه في المادة 40 من قانون الأجانب. ويتيح ذلك حقوق إقامة طويلة الأمد مشابهة لحقوق مواطني الجبل الأسود، وإن كان لا يمنح الجنسية تلقائياً.
a) الإقامة عبر تأسيس شركة
يجوز للمستثمر تأسيس شركة في الجبل الأسود وتعيين نفسه مديراً أو موظفاً. ويجب أن تبقى الشركة نشطة وأن تمتثل للالتزامات الضريبية. ويُصدر تصريح الإقامة الأولي لسنة واحدة ويمكن تجديده سنوياً. وبعد خمس سنوات متتالية يصبح المستثمر مؤهلاً للإقامة الدائمة.
b) الإقامة عبر ملكية العقار
يجوز للمستثمرين الذين يشترون عقاراً في الجبل الأسود الحصول أيضاً على تصاريح إقامة. ولا يفرض القانون حداً أدنى للاستثمار؛ والمهم أن يكون العقار مسجلاً وقابلاً للسكن وتحت استعمال مقدم الطلب.
c) المتطلبات المشتركة
يجب على مقدمي الطلبات إثبات كفاية الوسائل المالية وتقديم إثبات السكن والحصول على تأمين صحي وتقديم شهادة خلو من السوابق الجنائية وألا يشكلوا تهديداً للنظام العام أو الأمن الوطني.
5. المسارات البديلة إلى الجنسية
ورغم أن الجنسية المباشرة عبر الاستثمار لم تعد متاحة، تبقى عدة مسارات قانونية إلى جنسية الجبل الأسود:
a) الإقامة طويلة الأمد (التجنس)
يجوز للأجانب الذين أقاموا قانوناً في الجبل الأسود لمدة لا تقل عن 10 سنوات متتالية التقدم بطلب الجنسية. ويجب على مقدمي الطلبات إثبات معرفة اللغة الجبل أسودية وكفاية الدخل والاندماج الاجتماعي. ولا يُسمح عموماً بالجنسية المزدوجة، وإن وُجدت استثناءات.
b) أحفاد المهاجرين من الجبل الأسود
يجوز للأفراد من أحفاد المهاجرين من الجبل الأسود (حتى الدرجة الثالثة) التقدم بطلب الجنسية بعد إقامة قانونية في الجبل الأسود لمدة لا تقل عن سنتين. ويخلق هذا الحكم فرصة مهمة للمواطنين الأتراك من أصل جبل أسود.
c) الزواج أو التبني
يجوز للأجانب المتزوجين من مواطني الجبل الأسود الحصول على الجنسية بعد مدة معينة. ويكتسب الأطفال المتبنون من مواطني الجبل الأسود أيضاً حقوق الجنسية.
6. أثر نظام التأشيرات الجديد على المستثمرين
لم تقتصر سياسة التأشيرات الجديدة في الجبل الأسود، التي دخلت حيز النفاذ عام 2025، على تقييد وصول المستثمرين إلى البلاد من الناحية الفنية، بل حوّلت أيضاً بيئة الاستثمار عموماً. وأصبح الدخول إلى البلاد وتنفيذ الاستثمارات وإجراءات الإقامة تتطلب مزيداً من التوثيق والتخطيط والوقت. وقد دفع هذا التحول المستثمرين إلى اعتماد نموذج إقامة طويلة الأمد واستثمار مستدام، بدلاً من السعي إلى جنسية قصيرة الأجل أو أهداف عائد سريع.
ويؤكد التنظيم الجديد شرط «الحضور المستمر والتشغيل النشط»، ولا سيما في استثمارات العقارات والأعمال الصغيرة. ولم يعد مجرد ملكية عقار أو تأسيس شركة يُعد كافياً؛ بل يُتوقَّع من المستثمرين الآن إثبات مساهمتهم الاقتصادية في البلاد والامتثال للالتزامات الضريبية والالتزام طويل الأمد. ويشجع هذا النهج المستثمرين على الحفاظ على حضور مادي في الجبل الأسود ومواصلة أنشطتهم التجارية بنشاط.
وعلاوة على ذلك، شُدِّدت عملية التحقق من تصاريح الإقامة وتجديدها، مع تدقيق أكبر في مشروعية المصادر المالية ودقة وثائق الدخل واستيفاء الالتزامات الضريبية. ويتطلب ذلك درجة أعلى من الشفافية والامتثال المؤسسي من المستثمرين.
وبالتالي، انتهت حقبة اكتساب الجنسية بمجرد تدفق رأس المال، لتحل محلها منظومة متوائمة مع الاتحاد الأوروبي تعطي الأولوية لمساهمات المستثمرين الدائمة في اقتصاد الجبل الأسود.
ويخلق هذا الإطار الجديد أيضاً فرصة للمستثمرين الأتراك الملتزمين باستثمارات حقيقية تخلق فرص عمل وتعود بالنفع الاقتصادي. وفي حين تضع حكومة الجبل الأسود سياسات لدعم هؤلاء المستثمرين، فإنها تقيّد تصاريح الإقامة القائمة على استثمارات قصيرة الأجل أو مضاربية.
الخاتمة
ورغم أن الجبل الأسود غيّر سياسة التأشيرات وأغلق برنامج الجنسية الاستثمارية بما يتماشى مع عملية انضمامه إلى الاتحاد الأوروبي، فإنه يواصل تقديم فرص مهمة للمستثمرين. وبالنسبة للمستثمرين الأتراك، يتمثل المسار الأكثر واقعية في الاستثمار للحصول على الإقامة ثم التأهل لاحقاً للجنسية عبر الإقامة طويلة الأمد.